الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
77
نفحات الولاية
القسم الثاني « وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ ، وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ ؛ وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا ، وَتَتَّصِلُ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا . وَرَدَعَهَا بِتَلَأْلُؤِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا ، وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِى بُلَجِ ائْتِلَاقِهَا ، فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى حِدَاقِهَا ، وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا ؛ فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ ، وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ . فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا ، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا ، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ فِي وِجَارهَا ، أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا ، وَتَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَمِ لَيَالِيهَا . فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً ، وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَرَاراً ! » . الشرح والتفسير : الطائر العجيب ما أن فرغ الإمام عليه السلام من بيانه العام والجامع بشأن خلق العالم حتى ركز هنا على أعجب وأظرف مخلوقات اللَّه ، ألا وهو الخفاش الفريد في خلقه من كل النواحي ، وإن كانت جميع المخلوقات عجيبة لو أجلنا التفكير بصورة صحيحة . فقد أشار عليه السلام إلى جانبين فريدين في خلقة هذا الحيوان ؛ عينه وجناحيه ، فقال : « وَمِنْ لَطَائِفِ